ابن حجر العسقلاني
287
فتح الباري
معمر عن الزهري تجدون الناس كابل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة فعلى أن الرواية بغير ألف ولام وبغير تكاد فالمعنى لا تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب لان الذي يصلح للركوب ينبغي أن يكون وطيئا سهل الانقياد وكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة بأن يعاون رفيقه ويلين جانبه والرواية باثبات لا تكاد أولى لما فيها من زيادة المعنى ومطابقة الواقع وإن كان معنى الأول يرجع إلى ذلك ويحمل النفي المطلق على المبالغة وعلى أن النادر لا حكم له وقال الخطابي العرب تقول للمائة من الإبل إبل يقولون لفلان إبل أي مائة بعير ولفلان ابلان أي مائتان ( قلت ) فعلى هذا فالرواية التي بغير ألف ولام يكون قوله مائة تفسيرا لقوله إبل لان قوله كإبل أي كمائة بعير ولما كان مجرد لفظ إبل ليس مشهورا لاستعمال في المائة ذكر المائة توضيحا ورفعا للالباس وأما على رواية البخاري فاللام للجنس وقال الراغب الإبل اسم مائة بعير فقوله كالإبل المائة المراد به عشرة آلاف لان التقدير كالمائة المائة انتهى والذي يظهر على تسليم قوله لا يلزم ما قال إن المراد عشرة آلاف بل المائة الثانية للتأكيد قال الخطابي تأولوا هذا الحديث على وجهين أحدهما ان الناس في أحكام الدين سواء لافضل فيها لشريف على مشروف ولا لرفيع على وضيع كالإبل المائة التي لا يكون فيها راحلة وهي التي ترحل لتركب والراحلة فاعلة بمعنى مفعولة أي كلها حملة تصلح للحمل ولا تصلح للرحل والركوب عليها والثاني ان أكثر الناس أهل نقص وأما أهل الفضل فعددهم قليل جدا فهم بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة ومنه قوله تعالى ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( قلت ) وأورد البيهقي هذا الحديث في كتاب القضاء في تسوية القاضي بين الخصمين أخذا بالتأويل الأول ونقل عن ابن قتيبة ان الراحلة هي النجيبة المختارة من الإبل للركوب فإذا كانت في إبل عرفت ومعنى الحديث ان الناس في النسب كالإبل المائة التي لا راحلة فيها فهي مستوية وقال الأزهري الراحلة عند العرب الذكر النجيب والأنثى النجيبة والهاء في الراحلة للمبالغة قال وقول ابن قتيبة غلط والمعنى ان الزاهد في الدنيا الكامل فيه الراغب في الآخرة قليل كقلة الراحلة في الإبل وقال النووي هذا أجود وأجود منهما قول آخرين ان المرضى الأحوال من الناس الكامل الأوصاف قليل ( قلت ) هو الثاني الا أنه خصصه بالزاهد والأولى تعميمه كما قال الشيخ وقال القرطبي الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس والحمالات عنهم ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة وقال ابن بطال معنى الحديث أن الناس كثير والمرضى منهم قليل والى هذا المعنى أومأ البخاري بادخاله في باب رفع الأمانة لان من كانت هذه صفته فالاختيار عدم معاشرته وأشار ابن بطال إلى أن المراد بالناس في الحديث من يأتي بعد القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم حيث يصيرون يخونون ولا يؤتمنون ونقل الكرماني هذا عن مغلطاي ظنا منه أنه كلامه لكونه لم يعزه فقال لا حاجة إلى هذا التخصيص لاحتمال أن يراد أن المؤمنين قليل بالنسبة للكفار والله أعلم ( قوله باب الرياء والسمعة ) الرياء بكسر الراء تخفيف التحتانية والمد وهو مشتق من الرؤية والمراد به اظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشتقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر وقال الغزالي المعنى طلب المنزلة في قلوب الناس بأن يريهم الخصال المحمودة والمرائي هو العامل وقال ابن عبد السلام